المقريزي

155

إمتاع الأسماع

لا فرق في اقتضاء المصلحة بين تغير الإباحة بالتحريم أو التحريم بالإباحة ، والشبهة التي عرضت في أحد الموضعين ، هي بعينها في الموضع الآخر ، فإن إباحة الشئ في الشريعة تابع لعدم مفسدته ، إذا لو كانت هناك مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته ، فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجبت قطعا أن يكون تحريمه فيها هو المصلحة ، كما كان إباحته في الشريعة الأولى هي المصلحة ، فإن تضمن إباحة المحرم في الشريعة الآخرة إباحة المفسدة - وحاش لله - تضمن تحريم المباح في الشريعة الأولى تحريم المصالح ، وكلاهما باطل قطعا . فإذا جاز أن تأتي شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم تقدمه يستبيحه ، فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان في التوراة محظورا ، وهذه الشبهة هي التي ردت بها اليهود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، هي بعينها التي رد بها أسلافهم نبوة المسيح عليه السلام ، لا تقر بنبوة من غير التوراة . فيقال لهم : فكيف أقررتم لموسى عليه السلام بالنبوة ، وقد جاء بتغيير بعض الشرائع [ التي ] تقدمته ، فإن قدح ذلك في المسيح ومحمد صلوات الله عليهما قدح في موسى ، فلا [ تكون ] في نبوتهما بقادح إلا ومثله في نبوة موسى سواء ، كما أنكم لا تثبتون نبوة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول ، أو يكون المسيح رسولا ومحمد ليس برسول . ويقال لليهود أيضا : لا تحلوا المحرم ، إما أن يكون تحريمه لعينه وذاته بحيث لم يعهد في زمان من الأزمنة إباحته ، وإما أن يكون تحريمه لما يتضمنه من المفسدة في زمان دون زمان ، ومكان دون مكان ، وحال دون حال ، وإن كان الأول لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء في كل زمان ومكان ، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم . وإن كان الثاني ، ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصلحة ، وإنما يختلف باختلاف الزمان والمكان والحال ، فيكون الشئ الواحد حرما من ملة دون ملة ، ووقف دون وقت ، وفي مكان دون مكان ، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل عليهم السلام ، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك .